الحصانة البرلمانية في إسرائيل بين الإطار القانوني والتطبيقات العملية .. تالي غوتليف نموذجاً

مركز سياسات للبحوث والدراسات الاستراتيجية

تمثل الحصانة البرلمانية أحد المبادئ القانونية التي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية حرية عمل النواب وضمان مبدأ المساواة أمام القانون. 

في إسرائيل، كما في العديد من الديمقراطيات الغربية، يخضع أعضاء الكنيست لنظام حصانة مزدوج يهدف إلى تمكينهم من أداء مهامهم دون خوف أو محاباة، مع منع إساءة استخدام هذه الامتيازات. تهدف هذه الورقة التحليلية إلى استعراض الإطار القانوني للحصانة البرلمانية في إسرائيل، ثم تحليل كيفية تطبيقها عملياً من خلال دراسة حالات تاريخية لأعضاء كنيست لجأوا إلى الحصانة، مع التركيز بشكل خاص على قضية النائبة تالي غوتليف كنموذج معاصر يُبرز التحديات والإشكاليات المرتبطة بهذا المفهوم القانوني.

أولاً- الإطار القانوني للحصانة البرلمانية في إسرائيل

تهدف الحصانة البرلمانية إلى ضمان حرية أعضاء الكنيست في أداء مهامهم دون عوائق أو خوف، وضمان استقلالهم عن السلطات الأخرى في الدولة. يقوم هذا المبدأ على فكرة أن الديمقراطية تحتاج إلى ممثلين يمكنهم التعبير عن آرائهم بحرية، ومناقشة القضايا الخلافية، واتخاذ مواقف قد تكون غير شعبية، دون التهديد بالمقاضاة.

أنواع الحصانة

يميز القانون الإسرائيلي بين نوعين رئيسيين من الحصانة:

الحصانة الموضوعية (Substantive Immunity)

هي حماية دائمة ومطلقة تُمنح للأعمال والتصريحات التي يؤديها عضو الكنيست أثناء تأدية مهامه البرلمانية. تتميز هذه الحصانة بخصائص جوهرية:

  • لا يمكن إزالتها تحت أي ظرف.
  • لا تنتهي بانتهاء ولاية العضو، بل تستمر معه إلى الأبد.
  • تغطي التصويت، التصريحات، والأفعال التي تتم في إطار المسؤوليات البرلمانية.

ومع ذلك، أوضحت المحكمة العليا الإسرائيلية أن الحصانة الموضوعية ليست مطلقة. فهي لا تنطبق على الأفعال الإجرامية المتعمدة والمخطط لها، بل فقط على الأفعال التي تقع ضمن "مجال المخاطر الطبيعي" لعمل عضو الكنيست. الفصل في ما إذا كان الفعل مشمولاً بالحصانة الموضوعية يعود للمحاكم، لأن هذا يتطلب تفسيراً للقانون.

الحصانة الإجرائية (Procedural Immunity)

هي حماية مؤقتة تحمي عضو الكنيست من المثول للمحاكمة أثناء فترة ولايته، وذلك للجرائم التي لا تتصل مباشرة بمهامه البرلمانية. تخضع هذه الحصانة لتطور تشريعي مهم:

  • قبل عام 2005: كانت الحصانة الإجرائية تمنح تلقائياً لكل عضو كنيست، وكان على المستشار القضائي أن يطلب رفعها إذا أراد محاكمته.
  • بعد تعديل 2005 (التعديل 33): تغير الوضع جذرياً. أصبح عضو الكنيست لا يتمتع بالحصانة الإجرائية تلقائياً، بل يجب أن يطلبها صراحة من الكنيست خلال 30 يوماً من إخطاره بلائحة الاتهام. هذا التحول نقل عبء الإثبات إلى عضو الكنيست، الذي يجب أن يبرر لماذا لا ينبغي محاكمته كأي مواطن عادي.

أسباب منح الحصانة الإجرائية

ينص قانون الحصانة على أربعة أسباب يمكن لعضو الكنيست الاستناد إليها في طلب الحصانة:

  1. السبب الأول: الجريمة ارتكبت أثناء تأدية المهام البرلمانية (أي مشمولة بالحصانة الموضوعية).
  2. السبب الثاني: لائحة الاتهام قدمت بسوء نية أو بطريقة تمييزية.
  3. السبب الثالث: الجريمة ارتكبت داخل الكنيست كجزء من نشاط برلماني، وقد تم بالفعل التعامل معها داخلياً (مثل إجراءات أخلاقية)، والامتناع عن الإجراءات الجنائية لن يسبب ضرراً كبيراً للمصلحة العامة
  4. السبب الرابع: هناك قلق من أن المتابعة الجنائية ستضر بعمل الكنيست أو تمثيل الناخبين، والامتناع عن المحاكمة لن يسبب ضرراً كبيراً للمصلحة العامة

الإجراءات المتبعة

تتم عملية منح الحصانة الإجرائية على مرحلتين:

  • المرحلة الأولى: تناقش لجنة "البيت" (House Committee) الطلب. إذا رفضت اللجنة الطلب، يكون قرارها نهائياً.
  • المرحلة الثانية: إذا وافقت اللجنة على الطلب، يُحال إلى الهيئة العامة للكنيست للموافقة عليه بأغلبية عادية في تصويت علني.

التحديات القانونية

قرارات الكنيست بشأن الحصانة تخضع لمراجعة المحكمة العليا، لأنها تعتبر قرارات "شبه قضائية". في الماضي، تدخلت المحكمة العليا لإبطال قرارات الكنيست برفض رفع الحصانة. كما أن فترة منح الحصانة تكون محدودة بمدة ولاية الكنيست فقط، مما يعني أنه إذا لم يُعد انتخاب العضو، فقد تتم محاكمته بعد انتهاء ولايته.

ثانياً- حالات تاريخية لأعضاء كنيست لجأوا إلى الحصانة

قضية محمد بركة (Mohammed Barakeh)

النائب محمد بركة، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة سابقاً، اتهم بجرائم تشمل إهانة موظف عمومي وإعاقة شرطي أثناء تأدية مهامه.

تطور القضية:

  • رأى المستشار القضائي أن التهم الموجهة لبركة لا تتعلق بأفعال تمت أثناء تأدية مهامه البرلمانية.
  • قرر بركة عدم اللجوء إلى الكنيست لطلب الحصانة.
  • في أكتوبر 2011، قضت محكمة تل أبيب الابتدائية بأن تهمتي إهانة موظف عمومي وإعاقة شرطي يجب حذفهما من لائحة الاتهام لأنهما مشمولان بالحصانة الموضوعية.
  • لكن في نوفمبر 2012، بعد فحص الأدلة، خلصت المحكمة إلى أن التهمة الثالثة (عمل عنف ضد شخص آخر) لا تغطيها الحصانة الموضوعية.

هذه القضية تُظهر أن المحاكم هي التي تفصل في نطاق الحصانة الموضوعية، وأن الحصانة ليست غطاءً لكل الأفعال. كما تُظهر أن بعض النواب يختارون عدم طلب الحصانة الإجرائية إما لاعتقادهم أن الحصانة الموضوعية كافية أو لأسباب سياسية/شخصية.

قضية سعيد نفاع  (Sa'id Naffaa) 

النائب سعيد نفاع اتهم بالسفر غير القانوني إلى دولة معادية (سوريا) في سبتمبر 2007، وتنظيم سفر حوالي 280 شخصاً إلى دولة معادية، والتواصل مع عميل أجنبي.

تطور القضية:

  • في 26 يناير 2010، صادقت لجنة الكنيست على رفع حصانة نفاع بعد مناقشة مكثفة.
  • دفع الدفاع بأن الحصانة تنطبق لأن نفاع ناقش قضايا سياسية وليس أمنية في الاجتماع الذي عقده.
  • القضية لا تزال معلقة أمام محكمة الناصرة.

تظهر هذه القضية أن السفر إلى دول معادية والاتصال بعملاء أجانب يعتبران جرائم خطيرة تدفع الكنيست إلى رفع الحصانة، حتى لو كان العضو يزعم أن أفعاله كانت لأغراض سياسية.

قضية حنين زعبي (Hanin Zoabi)

تُعد قضية النائبة حنين زعبي من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل في تاريخ الحصانة البرلمانية الإسرائيلية.

خلفية القضية:

  • في أبريل 2010، سافرت زعبي إلى ليبيا مع خمسة أعضاء كنيست آخرين للقاء معمر القذافي.
  • تم تقديم طلب لسحب امتيازاتها البرلمانية.
  • في 31 مايو 2010، شاركت زعبي في حادثة أسطول "مرمرة" (Mavi Marmara)، حيث وقعت أعمال عنف شديدة ضد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي.

قرارات الكنيست:

  • في 7 يونيو 2010، أوصت لجنة الكنيست بسحب عدة امتيازات من زعبي: حق مغادرة إسرائيل دون قيود، الحق في جواز سفر دبلوماسي، الحق في استرداد التكاليف القضائية
  • في 13 يوليو 2010، أقر الكنيست هذه التوصية 

إجراءات أخلاقية:

  • وجدت لجنة الأخلاقيات في الكنيست أن مشاركة زعبي في أسطول مرمرة "تشكل بحد ذاتها عملاً يضر بأمن الدولة ولا يمكن أن يندرج ضمن حرية العمل المشروعة لعضو الكنيست"
  • قررت اللجنة طرد زعبي مؤقتاً من الكنيست ومن اجتماعات لجانه لمدة أسبوعين 

كشفت هذه القضية أن الحصانة البرلمانية لا تعني حصانة كاملة. يمكن للكنيست سحب امتيازات معينة من أعضائه حتى دون رفع الحصانة الجنائية بالكامل. كما تُظهر وجود آليات تأديبية داخلية (لجنة الأخلاقيات) يمكنها معاقبة الأعضاء على سلوكيات تضر بأمن الدولة.

قضية حاييم كاتس (Haim Katz) - الحالة الوحيدة لمنح الحصانة

تُعد قضية النائب حاييم كاتس (الليكود) الحالة الوحيدة منذ تعديل 2005 التي منح فيها الكنيست حصانة إجرائية لأحد أعضائه.

التهم الموجهة:

اتهم كاتس بالاحتيال وخيانة الأمانة، بعد أن انتهك مبادئ تضارب المصالح في تعاملاته الاقتصادية مع رجل الأعمال موتي بن آري. وفقاً للائحة الاتهام:

  • دعم كاتس بقوة إصلاحاً لقانون الإفلاس عام 2010 الذي كان يهدف تحديداً لمساعدة بن آري وشركته.
  • كان لكاتس نفسه استثمارات كبيرة في شركة بن آري.
  • حصل كاتس على أسهم بناءً على معلومات داخلية تلقاها من بن آري.
  • أخفى علاقته ببن آري في الإفصاحات الرسمية.

منح الحصانة

  • في 4 فبراير 2020، صادقت لجنة الكنيست الخاصة على منح كاتس الحصانة بأغلبية 62 مقابل 43 مع امتناع اثنين.
  • صرح كاتس للهيئة العامة: "لا أنا ولا بن آري كسبنا شيكل واحد من دعم الإصلاح. لقد ارتكبت خطأ بعدم الكشف عن علاقتي ببن آري قبل التصويت".

ردود الفعل:

  • قدمت منظمات مجتمع مدني (مثل "حارس الديمقراطية" و"حركة جودة الحكم") التماساً إلى المحكمة العليا لإبطال قرار الحصانة. 
  • انتقد رئيس حزب أزرق أبيض بيني غانتس القرار قائلاً: "مجرد حقيقة أن المشرعين يناقشون طلبات حصانة زملائهم يجعلها عرضة للفساد... ويمكن أن يحول برلماننا إلى ملاذ للمجرمين".

ما بعد منح الحصانة:

  • الحصانة كانت سارية فقط حتى نهاية ولاية الكنيست الـ 23 (أقل من شهر).
  • عندما لم يُعد انتخاب كاتس للكنيست التالية، أصبح من الممكن محاكمته.
  • في النهاية، لم يقدم كاتس طلباً متجدداً للحصانة وتم التوصل إلى اتفاق ادعاء.

قضية كاتس تُظهر أهم الإشكاليات في نظام الحصانة:

  1. التحيز السياسي: تم منح الحصانة بتصويت حزبي بحت (62 من أعضاء الائتلاف مقابل 43 من المعارضة).
  2. تجاهل الوقائع: وفقاً لتحليل قانوني، "بدا أن الوقائع لعبت دوراً صفراً تقريباً في قرار اللجنة".
  3. سوء استخدام النظام: وُصف منح الحصانة بأنه "وضع أعضاء الكنيست فوق القانون".
  4. المدة المحدودة: الحصانة المؤقتة تعني فقط تأجيل المحاكمة، وليس إلغاءها بالكامل.

ثالثاً- قضية تالي غوتليف - النموذج المعاصر

خلفية القضية

تُعد قضية النائبة تالي غوتليف (الليكود) أحدث وأبرز الأمثلة على استخدام الحصانة البرلمانية في سياق جرائم الأمن القومي، وتتميز بتعقيدات قانونية ودستورية فريدة.

التهمة:
في يونيو 2024، أعلن المستشار القضائي فتح تحقيق جنائي ضد غوتليف بشبهة تسريب معلومات سرية، بعد أن نشرت على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) هوية زوج الناشطة شيكما بريسلر كضابط في جهاز الأمن العام (الشاباك)، في انتهاك صريح للقانون.

تفاصيل الاتهام (مايو 2026):

  • نشرت غوتليف في 24 يناير 2024 اسم ضابط الشاباك.
  • روجت لنظريات مؤامرة تربطه بحركة حماس ويحيى السنوار.
  • حصد المنشور أكثر من 400,000 مشاهدة.
  • لم تكتفِ بالنشر، بل أصرت عليه بشكل استعراضي وعلني ومتكرر.

الدفاع القائم على الحصانة

رفضت غوتليف الاستجابة لاستدعاء النيابة العامة للتحقيق، مدعية أن تصريحاتها أدلت بها أثناء تأدية مهامها وبالتالي فهي تتمتع بالحصانة الموضوعية ولا يمكن محاكمتها.

لكن هذا الادعاء يثير عدة إشكاليات قانونية:

  1. التحقيق لا تغطيه الحصانة: أوضح نائب المستشار القضائي ألون ألتمان في رسالة إلى غوتليف أن "رفضك المثول للتحقيق استناداً إلى ادعاء الحصانة الموضوعية لا أساس له من الصحة. قانون الحصانة لا يمنح عضو الكنيست حصانة من الاستجواب في تحقيق جنائي" 
  2. السابقة القضائية: في عام 2007، قضت المحكمة العليا بأن الحصانة الإجرائية (سواء للنائب أو الرئيس) لا تمنع التحقيق الجنائي 
  3. طبيعة الجريمة: أفعال غوتليف تبدو متعمدة ومخطط لها، وليست "تجاوزاً عفوياً" أو "في حرارة اللحظة"، مما قد يخرجها من نطاق الحصانة الموضوعية وفقاً للمعايير القضائية 

طلب الحصانة الإجرائية

بعد تقديم لائحة الاتهام رسمياً في مايو 2026، تقدمت غوتليف إلى الكنيست بطلب للحصانة الإجرائية، مستندة إلى ثلاثة أسباب:

السبب الأول - الحصانة الموضوعية: جادلت غوتليف بأن الكشف عن هوية ضابط الشاباك كان يهدف إلى "لفت انتباه الجمهور إلى الحقيقة بشأن أحداث 7 أكتوبر"، وأن تصريحاتها في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي "تقع في صميم دورها التمثيلي".

السبب الثاني - سوء النية والتمييز: ادعت أن المستشار القضائي يطاردها شخصياً ويفتح تحقيقات بشكل انتقائي.

السبب الثالث: الضرر بتمثيل الناخبين: زعمت أن الإجراءات الجنائية ستسبب ضرراً حقيقياً لتمثيل ناخبيها، وأن الامتناع عن المحاكاة لن يضر بالمصلحة العامة.

رد المستشارة القضائية

في 7 يونيو 2026، وجهت المستشارة القضائية غالي بهاراف ميارا رسالة رسمية إلى لجنة الكنيست تطالب فيها برفض طلب الحصانة، مؤكدة:

  • الأدلة "صلبة وواضحة".
  • تصرف غوتليف لم يكن "تجاوزاً عفوياً" بل "سلوكاً واعياً ومتعمداً ومستمراً".
  • لا وجود للتمييز - فقد تم التحقيق مع آخرين نشروا تفاصيل مماثلة لكنهم أزالوا المنشورات وندموا، بينما أصرت غوتليف مما زاد الضرر.
  • السماح للإجراءات القانونية لن يضر بعمل الكنيست، بل على العكس، تأخيرها سيضر بالمصلحة العامة بشكل كبير.

مشروع قانون غوتليف لتوسيع الحصانة

في سياق موازٍ، تجدر الإشارة إلى أن غوتليف نفسها كانت قد اقترحت تعديلاً على قانون الحصانة في إطار "الإصلاح القضائي" الذي كان مطروحاً. التعديل الذي اقترحته كان سيجعل بدء التحقيقات الجنائية والإجراءات المدنية ضد أعضاء الكنيست مشروطاً بموافقة مسبقة من الكنيست.

وفقاً لمعهد إسرائيل الديمقراطية (IDI)، هذا التعديل "يمثل ضربة شديدة لسيادة القانون... ويجعل الكنيست ملاذاً آمناً ويمنح أعضاء الكنيست ترخيصاً لارتكاب الجرائم دون عوائق".

أشار التحليل القانوني إلى أن:

  • التعديل "سيضع إسرائيل في منطقة مجهولة دولياً فيما يتعلق بالحصانة البرلمانية" .
  • "الثعلب سيكون حارساً للقن الدجاج" - أعضاء الكنيست أنفسهم سيقررون ما إذا كانت أفعالهم مؤهلة للحصانة.
  • حتى لو تم تخفيف التعديل، فإنه لا يزال يطبق على جرائم الأمن القومي، إعاقة العدالة، الاحتيال، التحرش الجنسي، وغيرها.

هذا السياق يضيف بُعداً آخر لفهم قضية غوتليف: ليس فقط استخدامها للحصانة للدفاع عن نفسها، بل أيضاً محاولتها تغيير قواعد اللعبة لتوسيع الحصانة بشكل دراماتيكي.

رابعاً- تحليل مقارن وخلاصات

تطور استخدام الحصانة عبر الزمن

منذ تأسيس إسرائيل وحتى عام 2010، تم رفع حصانة حوالي 50 نائباً، ثلثاها بعد عام 1990. معظم طلبات المستشار القضائي برفع الحصانة قوبلت بالموافقة. لكن منذ تعديل 2005، تغير المشهد:

  • قبل 2005: الحصانة هي القاعدة، والرفع هو الاستثناء.
  • بعد 2005: لا حصانة تلقائية، والمنح هو الاستثناء (حالة كاتس الوحيدة).

المقارنة الدولية

في بريطانيا وأستراليا وكندا، الحصانة مقصورة على الاعتقال أو السجن بموجب دعوى مدنية. في الولايات المتحدة، الحصانة تقتصر على الاعتقال داخل أو في طريق مباني الكونجرس. هذا يعني أن النظام الإسرائيلي، حتى بعد تعديل 2005، لا يزال أكثر سخاءً في منح الحصانة مقارنة بالديمقراطيات الغربية الأخرى.

التحديات والإشكاليات الرئيسية

أولاً- التحيز السياسي: حالة كاتس أظهرت بوضوح أن التصويت على الحصانة يتم على أسس حزبية وليس قانونية. عندما يتمتع الائتلاف الحاكم بأغلبية، يمكنه نظرياً منح الحصانة لأي من أعضائه بغض النظر عن الأدلة.

ثانياً- تضارب المصالح: لجنة الكنيست التي تقرر مصير زميلها في العضوية تعاني من تضارب مصالح متأصل. فالقرار الذي يصدر اليوم ضد عضو معين قد يصبح سابقة ضد العضو نفسه غداً.

ثالثاً: المساس بمبدأ المساواة - عندما يتمكن عضو كنيست متهم من تأجيل محاكمته أو تجنبها تماماً، يُخلق وضع قانوني مزدوج: قانون للأعضاء وقانون للشعب.

رابعاً- الإساءة للعملية:  كما ورد في تحليل قضية كاتس، "نحن نعيش في عصر حيث لم تعد الوقائع مهمة في كثير من الأحيان... عصر يفضل فيه أعضاء الكنيست عدم رؤية كيف سيحكم القضاء لأن خطر معرفة الحقيقة ببساطة شديد التهديد".

ما الذي كشفته قضية غوتليف؟

تمثل قضية غوتليف نقطة تحول محتملة في تاريخ الحصانة البرلمانية الإسرائيلية لعدة أسباب:

  1. حساسية الجريمة:  لأول مرة، تستخدم الحصانة في سياق جريمة أمن قومي من الدرجة الأولى (تسريب هوية ضابط شاباك).
  2. الموقف الاستفزازي:  غوتليف لم تكتفِ بارتكاب المخالفة، بل أصرت عليها وأعلنت أنها ستواصل فعل ذلك، مما يقرب سلوكها من تعريف "الجريمة المتعمدة" التي تستبعدها المحكمة من الحصانة الموضوعية.
  3. الجدول الزمني المتزامن: مناقشة طلب الحصانة تجري في يونيو 2026، قبل انتخابات متوقعة في سبتمبر 2026، مما يخلق بُعداً سياسياً إضافياً.
  4. الخلفية التشريعية: حقيقة أن غوتليف هي نفسها التي اقترحت توسيع الحصانة تجعل قضيتها نموذجاً للصراع بين من يحاولون تغيير النظام لصالحهم وبين الحفاظ على سيادة القانون.

 ما حدث في قضية تالي غوتليف؟

لم تبقَ قضية غوتليف في نطاق السيناريوهات المحتملة (بين رفض الكنيست للطلب وإحالة غوتليف للمحاكمة، أو منحها حصانة مؤقتة (وهو ما حدث بالفعل) لتكون بذلك الحالة الثانية فقط منذ 2005، مع بقاء احتمال تدخل المحكمة العليا لإلغاء القرار إذا اعتبرته غير قانوني، كما حدث في قضايا سابقة)، بل شهدت تطورات حاسمة. 

في 15 يونيو 2026، صادقت لجنة "البيت" في الكنيست على طلب غوتليف للحصانة الإجرائية بأغلبية 11 صوتاً من أعضاء الائتلاف مقابل 3 أصوات من المعارضة. وجاء هذا القرار بعد ثلاثة أيام من جلسات مطولة شهدت مواجهات حادة بين غوتليف والمستشارة القضائية جالي بهاراف ميارا، التي حضرت جلستين من المناقشات وأكدت أن تصرف غوتليف خلق "خطراً أمنياً شديداً" بكشف هوية ضابط شاباك في زمن الحرب.

في 17 يونيو 2026، صادقت الهيئة العامة للكنيست على منح الحصانة بأغلبية 61 صوتاً مقابل 48. وقد تغيب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن التصويت.

دور حزب الليكود والائتلاف

كان دور الائتلاف الحاكم بقيادة الليكود محورياً في منح الحصانة، حيث صوّت جميع أعضائه في اللجنة وفي الهيئة العامة لصالحها. وقد صرحت غوتليف قبل التصويت بأنها واثقة من حصولها على الحصانة بسبب الأغلبية التي يتمتع بها الائتلاف. واعتبرت عضوة الليكود، الوزيرة ليمور سون هار-ميليخ، هذا القرار "انتصاراً للمعسكر الوطني بأكمله"، ووصفه الوزير إيتمار بن جفير بأنه انتصار عظيم.

موقف المعارضة

عارضت المعارضة بشدة منح الحصانة، ووصفت القرار بـ "العار" واتهمت الائتلاف بتحويل الكنيست إلى "مدينة ملاذ للموالين السياسيين والمجرمين". وصرح عضو الكنيست جادي أيزنكوت، رئيس حزب "يشر" بأن القرار "صفعة على وجه المقاتلين وأفراد الأمن".

واتهمت النائبة عفرات رايتن (حزب الديمقراطيون) الائتلاف بأنه يفضل بقاءه السياسي على أمن الدولة .

الموقف الأبرز كان لعضو الليكود، يولي أدلشتين، الذي أعلن أنه سيصوت ضد منح الحصانة محذراً من أن القرار سيخلق سابقة خطيرة تسمح لنواب اليسار والعرب مستقبلاً بكشف هوية عملاء "الموساد" وضباط "الشاباك".

موقف القضاء

أصدر القضاء موقفين متعارضين بشأن القضية:

  1. موقف المحكمة المركزية في اللد: في 16 يونيو 2026، أي قبل يوم واحد من تصويت الكنيست، قضت المحكمة المركزية في اللد بأن غوتليف ليست محمية بالحصانة فيما يتعلق بدعوى التشهير التي رفعتها ضدها الناشطة شيكما بريسلر، وذلك فيما يخص كشف هوية زوجها ضابط الشاباك. وبرر القاضي رامي حيموفيتش قراره بأن الكشف المتعمد لهوية ضابط جهاز أمن لا تغطيه الحصانة البرلمانية، نقلاً عن أحكام المحكمة العليا في هذا الشأن.
  2. موقف المستشارة القضائية: أكدت المستشارة القضائية جالي بهاراف ميارا في رسالتها للجنة الكنيست أن الأدلة "صلبة وواضحة" وأن تصرف غوتليف لم يكن "تجاوزاً عفوياً" بل "سلوكاً واعياً ومتعمداً ومستمراً"، مما يخرجه من نطاق الحصانة الموضوعية.

موقف الشاباك

قدم جهاز الأمن العام (الشاباك) رأياً مهنياً سرياً للجنة الكنيست، وثيقة السرية القصوى، أوضح فيه أن تصرف غوتليف عرض حياة ضابط الشاباك وعائلته لخطر حقيقي ومباشر، مستشهداً بأمثلة حقيقية لضباط تم كشف هوياتهم وتعرضت حياتهم للخطر. وأكد الرأي أن الشاباك طالب بفتح تحقيق ضد غوتليف بسبب هذا الخطر. وبناءً على هذا الرأي، قدم ضابط الشاباك نفسه التماساً إلى المحكمة العليا يطالب فيه بإلغاء قرار الكنيست بمنح غوتليف الحصانة.

ختاماً

كشفت قضية تالي غوتليف عن أزمة عميقة في نظام الحصانة البرلمانية الإسرائيلي، تجاوزت حدود الإشكالية القانونية لتكشف عن منهجية ممنهجة يتبعها الائتلاف الحاكم في التواء القوانين وتدمير أسس الديمقراطية. فبينما نص القانون على أن الحصانة الإجرائية أصبحت استثناءً نادراً بعد تعديل 2005، أثبتت الوقائع أن الأغلبية السياسية قادرة على تحويل هذا الاستثناء إلى قاعدة متى شاءت، متجاوزةً الأدلة والاعتبارات الأمنية. فقد منح الكنيست الحصانة لنائبة اعترفت علناً بارتكاب الفعل، وأصرت عليه، وخاطرت بأمن ضابط شاباك وعائلته، متحديةً بذلك رأي الجهاز الأمني نفسه والمستشارة القضائية، وقدمت دليلاً صارخاً على أن الائتلاف لا يتردد في التضحية بأمن كيان الاحتلال الإسرائيلي لخدمة مصالحه السياسية الضيقة.

جاء القرار بتصويت حزبي بحت، كما في قضية كاتس، مما عزز الانطباع بأن الحصانة أصبحت أداة حماية سياسية وليست قانونية، وكشف عن تحول خطير في جوهر النظام الديمقراطي الإسرائيلي. وتكمن المفارقة في أن غوتليف، التي كانت قد اقترحت توسيع الحصانة في إطار "الإصلاح القضائي"، جسّدت بعملها وسعيها للحصانة الخطر الذي حذر منه معهد إسرائيل الديمقراطية: تحويل الكنيست إلى "ملاذ آمن للمخالفين والمجرمين". وهذا يؤكد أن الائتلاف لا يكتفي باستخدام الأدوات القائمة، بل يعمل بشكل منهجي على تفكيك الضمانات القضائية والديمقراطية لخدمة أجندته، مما يضع إسرائيل في "منطقة مجهولة دولياً" كما وصفها المعهد.

ومع أن الحصانة الممنوحة مؤقتة (حتى نهاية ولاية الكنيست الحالية)، إلا أن رسالتها السياسية تجاوزت المدة الزمنية، خاصةً أن المحكمة العليا لم تحسم بعد التماس ضابط الشاباك لإلغائها. إن إصرار غوتليف على كشف هوية ضابط أمن، وتلويحها بالحصانة كدرع، ومنح الكنيست إياها رغم التحذيرات الأمنية والقضائية، يطرح أسئلة مصيرية: هل يمكن لنظام ديمقراطي أن يسمح لمشرعيه بأن يضعوا أنفسهم فوق القانون؟ وهل الأغلبية البرلمانية فوق اعتبارات الأمن القومي في إسرائيل؟ وهل يبقى هناك معنى لمبدأ الفصل بين السلطات عندما يصبح الائتلاف قادراً على تعطيل إرادة القضاء والأجهزة الأمنية؟

في النهاية، قضية غوتليف ذهبت إلى أبعد من ذلك، لتكشف أن الخطر لا يكمن في الحصانة بحد ذاتها فقط، بل في الإرادة السياسية التي تسخرها لخدمة مصالحها على حساب الدولة ومؤسساتها. قضية غوتليف - وقبلها قضية كاتس - ليست مجرد فصل في تاريخ الحصانة البرلمانية، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات القضائية والأمنية في إسرائيل على وضع حدود للسلطة السياسية، ومؤشراً على مستقبل سيادة القانون في مواجهة الإرادة السياسية الإسرائيلية. 

قائمة المصادر

[1] UN Committee on Civil and Political Rights, Fourth Periodic Report – Israel, 2013

https://digitallibrary.un.org/nanna/record/770247/files/CCPR_C_ISR_4-ES.pdf?withWatermark=0&withMetadata=0&registerDownload=1&version=1#22#12  

[2] The Jerusalem Post, "A-G to Edelstein: No basis for immunity to MK Haim Katz", January 2020 

https://www.jpost.com/israel-news/a-g-to-edelstein-no-basis-for-immunity-to-mk-haim-katz-615834 

[3] Israel Democracy Institute, "Putting Knesset Members Above the Law", March 2025 

https://en.idi.org.il/articles/58695 

[4] Israel Democracy Institute, "Parliamentary Immunity: Explainer", May 2022 

https://en.idi.org.il/articles/38932 

[5] The Jerusalem Post, "Haim Katz immunity - the end of facts - comment", February 2020 

https://payments.jpost.com/israel-news/haim-katz-immunity-the-end-of-facts-comment-616596 

[6] Israel Democracy Institute, "Everything you Wanted to Know About the Immunity Law", May 2019 

https://en.idi.org.il/articles/26750 

[7] The Times of Israel, "Ahead of immunity vote, Haim Katz tries to persuade MKs of his innocence", February 2020 

https://www.timesofisrael.com/ahead-of-immunity-vote-haim-katz-tries-to-persuade-mks-of-his-innocence/ 

[8] Israel Democracy Institute, "A Note to Members of Knesset: Immunity Does Not Apply to Police Investigations", September 2025 

https://en.idi.org.il/articles/61792 

[9] Cambridge University Press, "The Handbook of Israel's Political System", 2018

https://www.cambridge.org/core/books/abs/handbook-of-israels-political-system/democracy-in-israel/19A54E8C170C0C33C749B0D6966FA1A8 

[10] The Jerusalem Post, "Knesset votes to grant Likud MK immunity", February 2020

https://www.jpost.com/israel-news/knesset-votes-to-grant-likud-mk-immunity-617852

 לוחם השב"כ עתר לבג"ץ נגד החסינות של טלי גוטליב[11] 

https://www.emess.co.il/radio/1886948

[12] גוטליב ניצחה את היועמ"שית: החסינות אושרה ברוב דרמטי 

https://www.maariv.co.il/news/politics/article-1334213

[13] ביהמ"ש דחה את טענת החסינות של טלי גוטליב

https://www.hidabroot.org/article/1223785

[14] נתניהו נעדר: הכנסת אישרה את החסינות לגוטליב

https://www.calcalist.co.il/local_news/article/b19edzlgmx

تم نسخ الرابط