تنازع الاختصاص بين قانون الإعلام وقانون الجريمة المعلوماتية في الحالة السورية .. أداة قانونية للقمع أمام حرية التعبير؟
مقدمة:
يتطلب تقدم أي بلد وجود حالة سياسية كاملة المقومات تخضع لتجاذبات وأطراف متعددة , و يكفل ذلك الاستناد على عقد اجتماعي واضح بُني على أساسه دستور البلاد ثم انبثق عنه قوانين ناظمة لهذه الحياة .
لقانون الإعلام أهمية بالغة في ترجمة ما ذُكر كونه مرآة للمجتمع وجسر التواصل الأسرع بين السلطة والمواطن .
طبيعة السلطة الاستئثار وإن أظهرت غير ذلك , وبديهية المجتمع انتزاع حقوقه وإن أظهر الطاعة للسلطة , بناءً على ذلك تخضع المجتمعات العربية لتجاذبات بين الفتح والمنع تحت غطاء القانون أملاً في تصدير الصورة الأفضل رغم التجاذبات المذكورة .
في الحالة السورية كانت ولادة قانون الإعلام تزامناً مع ولادة الثورات العربية بعد أكثر من أربعة عقود لاستئثار السلطة للحياة السياسية , وبالتالي الحياة الإعلامية في البلاد محاولةً إظهار تنازلات لم تكن لتعلن عنها لولا طوفان الثورات العربية , لكنها تعرف تماماً أن العبرة في النص هي التطبيق , وهو ما يجيده من ترأس وصادر جميع سلطات البلاد لا سيما " السلطة القضائية " فكان وأد قانون الإعلام أسهل من صدوره وتعديله .
زعمت السلطة تجاوزها لمرحلة قمع الثورة وتمكنت من تأمين غطاء دولي , وأعادت إضفاء الشرعية الخارجية على نفسها , لكنها لم تستطع تأمين المطالب المعيشية الضاغطة , ولم تستطيع الخروج من منظومة الفساد التي صنعتها عبر عقود , تزامناً مع التطور التقني وانتشار وسائل التواصل وسهولة استخدامها مما أسهم في " نشر غيض " ما كان ليظهر ويُتداول لولا ذلك , مما حتم عليهم ضرورة إصدار قانون ظاهره مواكبة هذا التطور وحماية المجتمع من الابتزاز , ليصدر قانون التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية .
بين عام 2011 الذي صدر فيه قانون الإعلام وعام 2021 الذي صدر فيه قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية , وحتى تاريخ كتابة البحث حدث الكثير من خلط المفاهيم وتغيب قانون لصالح آخر , وتفسيرات قانونية لصالح سلطة حاكمة استطاعت تحويل نص القانون من مسار عدالة إلى سوط يضرب رقاب المعارضين .
يستعرض البحث قراءة موضوعية وتطبيقية للقانونين بعد دراسة نظرية وعملية واكبت سنوات التطبيق , ثم يضع التوصيات المناسبة للحالة السورية تماشياً مع النصوص الحالية .
قانون الاعلام :
صدر قانون الاعلام رقم 108 لعام 2011 ضمن حزمة قوانين أرادت السلطة من خلالها إعطاء وعود سياسية تدل على فتح باب التعددية السياسية في البلاد , لذلك اعتمدت في صياغته على نخبة من المشرعين والإعلاميين الذين اقترحوا مسودة المرسوم ليصدر فوراً دون أي تعديل على المقترحات .
لكن وبسبب مراوغة السلطات الحاكمة آنذاك أخذ مسار التطبيق يحذو عن النص , حيث بدأت الوصاية الرئاسية والأمنية على المجلس الوطني للإعلام الذي تم تشكيله عقب صدور القانون إلى أن تم وبسبب صراعات مستدامة بين وزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام حل المجلس بموجب مرسوم رئاسي وأوكلت مهامه إلى وزارة الإعلام .
لكن قانون الإعلام بقي نافذاً ولا يزال حتى تاريخه من حيث أُسس ترخيص وسائل الإعلام وقواعد النشر والمحاكم المختصة ..
فيما يتعلق بموضوع الورقة البحثية نص قانون الإعلام صراحة وبما ينسجم مع الدستور النافذ ( الإعلام بوسائله كافة مستقل يؤدي رسالته بحرية ولا يجوز تقييد حريته إلا وفقاً لأحكام الدستور والقانون).(1)
بالإضافة إلى مواد أخرى مواد أخرى استفاضت صراحةً في حرية التعبير وحق الصحفي في الحصول على المعلومة والحصانة التي يتمتع بها في معرض عمله وصولاً إلى الفصل السابع موضوع الورقة البحثية الذي نص صراحة على أُسس تحريك الادعاء والمحاكم الناظرة في فصل النزاع وفق النصوص التالية :
المادة /78/:
- رئيس التحرير والإعلامي وصاحب الكلام في الوسائل الإعلامية مسؤولون عن الأفعال التي تشكل جرائم معاقباً عليها هذا القانون و القوانين النافذة مالم يثبت انتفاء مساهمة أحدهم الجرمية .
- صاحب الوسيلة الإعلامية مسؤول بالتضامن مع رئيس التحرير الإعلامي بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بالغير .
تؤكد المادة المذكورة بشل واضح حصر المسؤولية في الأفعال التي تشكل جرائم يعاقب عليها هذا القانون ( أي كذلك حصر النص القانوني ) على رئيس التحرير وهو ممثل الوسيلة الإعلامية وكذلك صاحب الكلام , كما توضح الفقرة "بـ " مسؤولية صاحب الوسيلة والتي حصرها النص بشكل واضح في " التضامن بالتعويض " مع المذكورين عن الأضرار التي تلحق بالغير , أي عقب صدور الحكم القضائي.(2)
واستفاضت مواد القانون في العقوبات الناظمة لعمل الصحفي أو الوسيلة الإعلامية بما فيها عقوبات القدح والذم , أو نشر أخبار غير صحيحة أو أوراق مختلقة أو مزورة , والي لوحظ إسنادها إلى الصحفيين ومعاقبتهم عملياً وفق قانون العقوبات أو قانو الجرية المعلوماتية , إلّا أنّ قانون الإعلام نص بوضوح الغرامات المالية المتعلقة بعقوبة المخالفات المذكورة دون أي ذكر للحبس أو الاحتجاز .
في معرض اختصاص المحاكم التي يناط إليها تطبيق قانون الإعلام نص القانون صراحة وفق المادة /98/ محاكم بداية الجزاء هي المختصة , وحصر نص القانون الحالات درجات التقاضي وأصول إدارة الجلسات :
- تتولى محكمة بداية الجزاء في مركز كل محافظة النظر في جميع الجنح المنصوص عليها في هذا القانون وتكون قرارات هذه المحكمة قابلة للاستئناف ويصدر حكم الاستئناف مبرماً.
- تنظر محكمة بداية الجزاء ومحكمة الاستئناف على وجه السرعة في القضايا المعروضة أمامها المتعلقة بمخالفة أحكام هذا القانون.
- للمدعى عليه أمام محكمة بداية الجزاء ومحكمة الاستئناف أن ينيب عنه محاميا لمتابعة وحضور الدعوى المقامة عليه المتعلقة بمخالفة أحكام هذا القانون ويكتفى بحضور الوكيل جلسات المحاكمة.(3)
أوضح المشرع بوضوح عدم جواز تحويل الدعاوى معرض تطبيق هذا القانون إلى محاكم تحقيقية أو مراكز نفاذ القانون ( فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية أو الوحدات الشرطية ) أو اتخاذ إجراءات تحفظية , وإنما تنظر في الدعاوى المقامة أمام محاكم بداية الجزاء وأعطى حرية الاختيار للمدعى عليه بالحضور شخصياً أو عدمه من خلال توكيل محام وكيل لحضور جلسات المحاكمة .
قانون التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية:
أقرت السلطات السورية القانون رقم 20 لعام 2022 كرد فعل على الأصوات المناهضة للفساد الحكومي والصعوبات المعيشية المتزايدة , رغم محاولات السلطة آنذاك التسويق للقانون على أنه ضرورة من أجل مواكبة التطور التقني ومكافحة وسائل الابتزاز لكنه ارتكز في مواده ال 50 على تشديد عقوبات هي واردة أصلاً في قانون العقوبات السوري رقم 15 لعام 2022 والذي صدر تعديلاً لقانون العقوبات رقم 148 .
بالرغم مما ذكر فإن مواد القانون المذكور أفردت اهتماماً بالغاً بالمواد التي يعاقب على قانون العقوبات , حيث يكون الجرم المرتكب على الشبكة أو بالوسائل التقنية أشد من الجرم المرتكب بالوسائل العادية كالقدح أو التحقير , والجرائم الواقعة على الدستور , والنيل من هيبة الدولة ...
مما أثار حفظية العديد من المنظمات الحقوقية التي أفردت دراسات وورقات بحثية تدرس ثغرات القانون المذكور وتثبت بالدليل القاطع النية من صدوره المتعلقة بكم الأفواه , ووصفته بأداة قضائية بفواعل أمنية استخدمتها السلطة للقمع , وتوقيف مواطنيها .
ذكرت دراسة أجراها المركز السوري للإعلام وحرية التعبير استخدام القانون بشكل تعسفي لاستهداف الإعلاميين ونشطاء الانترنت والمواطنين , وأي صوت ناقد ووثقت تهم وقعت على إعلاميين منهم كانوا يعملون ضمن مؤسسات إعلامية حكومية حيث تنوعت التهم ( تحقير السلطات القضائية - النيل من هيبة الدولة - مراسلة صفحات مشبوهة )تنوع الضرر الواقع بين شكاوى فردية من متنفذين متضررين من عملية النشر أو نقد أدائهم لوظائفهم ( والنشر هنا كان في وسائل إعلامية أو عبر شبكات التواصل ) .
ورأت دراسة أجرتها منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة أن المقصود بعبارة المحتوى الرقمي الواردة في المادة الأولى من القانون , هي أي كتابة للمنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي , والتعليقات التي ترد على المنشور لأفراد أو صفات أخرى , وساوى القانون الجديد بين النشر وإعادة النشر من حيث التجريم والعقاب بحسب ماورد في المادة /35/ منه " يعد إعادة النـشر على الشبكة بحكم النشر من حيث التجريم والعقاب".(4)
وبالتالي وسع القانون الجديد من صلاحيات السلطات التنفيذية السورية في استهداف شرائح جديدة من السوريين ولم يترك لهم أي مساحة للتعبير عن رأيهم بالكتابة بكافة أشكالها , وبذلك يكون قد خالف الفقرة الثانية في " المادة 42" من الدستور النافذ لعام 2012 والتي نصت على أن حرية الاعتقاد مصونة وفقاً للقانون " لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول أو الكتابة أو بوسائل التعبير كافة ".(5)
وهذا ما حصل بالفعل وفق الخطوات والحالات التي سيذكرها الباحث , والتي ليست فقط استخدمت للجرائم المعلوماتية , بل ألغت قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 وأصبغت العقوبات بصبغة الجرائم المعلوماتية ضد كل من تريد توقيفه متجاهلة تماماً القانون المذكور وكأن قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية بات تحديثاً يلغي العقوبات الواردة في قانون الإعلام .
الحاجة التشريعية وآلية التطبيق:
اعتمدت العديد من البلدان , وأغلبها البلدان الديمقراطية مثل ( كندا – فرنسا – بريطانيا ... ) على قانون العقوبات في الجرائم الواقعة بشكل عام سواء كانت مرتكبة بوسائل الكترونية أو غيرها , رغم التطور التقني الحاصل حول العالم , من مبدأ أن الجرم واحد كيفما وقع .
على صعيد آخر أقرت بلدان منطقتنا قانون خاص بالجريمة المعلوماتية حيث تكون أغلب مواده تقنية بحتة تناقش أسباب الجريمة وآلية ارتكابها وكشفها لكنها لا تتعارض مع قانون العقوبات النافذ على أراضيها .
بالعودة إلى قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية المذكور فهو الأكثر تشدداً بين كل قوانين بلدان المنطقة والأكثر تنازعاً مع قانون العقوبات .
كما أقرت العديد من البلدان قانون للإعلام - بغض النظر عن وجـود وزارة إعلام لديها أو مجلـس وطني للإعلام - الجامع بين جميع النصوص هو تعريف العمل الإعلامي ووسائل الإعلام والأشخاص العاملين في هذا القطاع , وكذلك الأمر بالنسبة لقانون الإعلام في سوريا والذي ذكر صراحة خلال المادة /103/ تسري أحكام هذا القانون على أي وسيلة إعلامية لها في الجمهورية العربية السورية مركز إدارة فعلي أو مركز ثابت تمارس فيه نشاطاً اقتصادياً أساسياً راهناً وذلك بصرف النظر عن مكان تأسيسها و مقرها الرئيسي وعن المكان الذي توجد فيه التجهيزات التقنية التي تستخدمها إذا كانت وسيلة إعلامية الكترونية.(6)
مما يوضح بموجب المادة المذكورة أعلاه النص صراحة على عدم سريان قانون الجريمة المعلوماتية أو أي قانون آخر على وسائل الإعلام أو العاملين فيها حتى وإن كانت الكترونية .
الاجتهاد التطبيقي لصالح السلطة:
رصد الباحث من خلال مقابلات مع متضررين عشرات الحالات لصحفيين ووسائل إعلام معتمدة تم تحويلها إلى فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية , ومباشرة التحقيقات من قبلهم خلافاً لما نص عليه قانون الإعلام تحويل الادعاء إلى محكمة بداية الجزاء , ولدى مقابلة المتضررين سواء من تم توقيفهم ضمن الفرع على ذمة التحقيق أو من تم تحويلهم إلى القضاء فور مراجعتهم للفرع أو اقتيادهم إليه موجوداً.
تركز المقابلات بالوقوف على طريقة مباشرة التحقيقات وأنواع الجرائم المنسوبة والمسار القانوني للتحقيق , لكن الجامع بين الضحايا هو الاستدعاء المباشر إلى فرع الجرائم المعلوماتية سواء من خلال ادعاء مباشر من قبل خصومهم أو بتحويل أمر قضائي وتفويض الفرع بالتحقيقات .
كان الجميع يركز على تطبيق قانون الإعلام وبداية مسار التحقيق من خلال فرع الجرائم المعلوماتية حتى وإن كان بالتفويض من القضاء , وكان على الفرع إثبات صحة ادعاء الخصوم بكافة السبل القانونية أو غيرها , كانت البداية من إجراءات احترازية مشددة وهي إذاعة البحث أو بلاغ المراجعة لصالح الفرع الذين يحولون المدعى عليه إلى مشروع مجرم يشبه تاجر المخدرات أو المشترك بأي جرم جنائي .
في غياب كامل للحصانة التي منحها قانون الإعلام للمدعى عليهم , وتعتمد إلى تغييبه حتى لا يتم النظر في الدعاوى المقامة أمام محاكم بداية الجزاء بعيداً عن فرع جرائم المعلومات .
ولدى سؤال الضحايا عن دور وزارة الإعلام أو اتحاد الصحفيين وحضورهم التحقيقات وفق قانون الإعلام , أجمع الضحايا على تغييب دورهم بشكل كامل وأكد اثنان منهم تعرضهم للتعذيب بهدف انتزاع اعترافات تخص ادعاء خصمهم الذي كان نافذاً في السلطة وتسريب معلوماتهم وبياناتهم الشخصية التي ضبطت أثناء توقيفهم ومراسلاتهم إلى الخصم .
كذلك كان مسار التحقيقات والتوقيف الذي استمر عدة أشهر حتى اضطروا إلى توسط الخصم في العفو عنهم وتوجيه القضاء بتركهم !!
كما تم توثيق حالة كانت وزارة الإعلام هي الخصم , وهي من قامت بتوجيه تهمة " النيل من مقام رئاسة الجمهورية " إلى صحفي هو عضو اتحاد صحفيين دوليين بذريعة أنه مالك لوسيلة إعلامية مرخصة وفق قانون الإعلام !! وهي من وجه الادعاء بشكل مباشر إلى فرع الجرائم المعلوماتية لاستدعائه والتحقيق معه في خرق وتجاهل واضح لقانون الإعلام.
فجوة مباشرة التحقيقات بين النص والتطبيق:
تبين للباحث من خلال الاطلاع على وثائق بعض الدعاوى المثارة والمفصولة أمام القضاء السوري فيما يخص موضوع البحث , وكذلك المقابلات التي أجريت مع ضحايا من الصحفيين , أن أغلب التجاوزات بدأت بتواصل مباشر بين الجهات الحكومية وفرع مكافحة الجريمة المعلوماتية ( كتب رسمية ) ليست بالطرق القانونية التي يسلكها أي شاكي وهي اللجوء إلى النيابة وتقديم شكوى ليتم تحويلها من قبل قضاة النيابة إلى فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية مفوضينهم بالمباشرة بالتحقيقات .
لكن الثغرة المذكورة يتم تلافيها من قبل فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية بإبلاغ قاضي النيابة بمضمون الشكوى الواصلة من قبل السلطة التنفيذية ( الوزارات ) طالبين تفويضهم بالمباشرة بالتحقيقات وهذا ما يتم عادةً دون أي نقاش بسلامة الإجراء أو عدمه ( عدم دفع سلفة ادعاء من قبل الشاكي - عدم البداية من النيابة وإنما إملاء مضمون الشكوى عليها ) , حيث تبين أن كتاب الشكوى المُحال من السلطة التنفيذية هو بوصلة التحقيقات بالنسبة لفرع مكافحة الجريمة المعلوماتية وهو ما يتم محاولة إثباته قانوناً أو الذريعة لاتخاذ إجراءات تحفظية كالمراجعة أو إذاعة البحث بأوامر قضائية , وهنا تكمن المشكلة حين يكون الشاكي " الموجه " وليس طرف أمام السلطة القضائية .
تغافل السلطة القضائية لصالح السلطة التنفيذية:
بناءً على ما تم ذكره , واستناداً إلى الحالات المنظورة تبين وجود غطاء قانوني لآلية عمل فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية , من خلال تفويضات القضاء , والاطلاع الدائم للقضاة على الضبوط وأقوال المشتكي والمشكو منه وعرض التحقيقات بشكل دوري , كذلك تنفيذ الإجراءات الاحترازية بموجب أوامر قضائية حصراً ( إذاعة البحث – بلاغ مراجعة – تحويل موقوف – ترك الموقوف ) .
لكن القضاء لا ينظر إلى المواضيع المحالة سوى جريمة معلوماتية ولم يسبق أن نظر في الإجراءات الاحترازية أو مباشرة التحقيقات إلّا وفق قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية -على الأقل ضمن عشرات الدعاوى التي اطلع عليها الباحث - ويعود السبب الرئيسي بناءً على المقابلات المجراة مع الضحايا إلى مفهوم ( توحيد السلطة ) وفق رواية أحد الضحايا أي أن القاضي هو ابن السلطة ويقوم بإجراءاته ارضاءً للسلطات الأخرى كالسلطة التنفيذية وليس كسلطة مستقلة , وأن كل ما يقوم به القضاء هو شرعنة قانونية وغطاء لمطالبها على الأقل من خلال مباشرة التحقيقات والإجراءات الاحترازية , لكن في مراحل أخرى يمكن تحويل الدعاوى إلى بداية الجزاء للحكم وفق قانون الإعلام .
إن عدم ترسيخ مبدأ فصل السلطات لا يؤثر على سوء تطبيق وخلط مفاهيمي بين قانوني الإعلام ومكافحة الجريمة المعلوماتية فقط , إنما يفتح باباً لنقاش طغيان السلطات التنفيذية , ومحاولة إفضاء سلطة القضاء إليها , وهو تماماً ما أثر على سير العدالة في جميع الحالات المذكورة , وللأسف بوصاية ورضا قضائي .
أما فيما يخص موضوع البحث فقد وثقت دراسة أجرتها منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة حالة التداخل بين قانون جرائم المعلومات مع أحكام قوانين أُخرى , بما فيها قانون العقوبات الأخير , لا سيما في المواد 9 إلى 14 , ما يزيد حالة الغموض والتشابك وأحياناً التعارض في بنية القرارات السورية , التي هي في الأصل مبهمة , حيث كان على المشرع السوري عند صياغة قانون تنظيم الشبكة ومكافحة الجرائم المعلوماتية , هو حصرها بمكافحة الجرائم الواقعة على تقنية المعلومات والاختراق الإلكتروني واختراق الأنظمة المعلوماتية.(7)
وبلغ عدد الجرائم المنظورة أمام المحكمة المختصة بالجرائم المعلوماتية في دمشق فقط خلال عام 2019 ما يقارب 800 دعوى وفق الدراسة المذكورة .
أين تكمن الثغرة؟:
رغم صراحة نص الدستور السوري من خلال / المادة 42/ " لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول أو الكتابة أو بوسائل التعبير كافة ", إلّا إن الأمر يشكل حساسية للسلطة لا سيما أمام تفشي حالات الفساد والوضع المعيشي الضاغط في ظل تطور وانتشار التقنيات أمام تراجع دور وسائل الإعلام .
لذلك كان لزاماً على أصحاب المناصب والعاملين في الشأن العام ابتداع غطاء قانوني يتجاوز حرية التعبير , ويحوّر الأمر باتجاه اتخاذ إجراءات تحفظية تجعل أصحاب الرأي أو الناقدين تحت هذه المعضلة , أملاً في احتوائهم أو القضاء عليهم وهذا ما تم بالفعل .
سواء كانت التهمة وهن عزيمة الأمة أو الإساءة إلى رئاسة الجمهورية , أو القدح والذم ( جميعها مثارة أمام فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية ) يكفي صاحب الشكوى – غالبيتهم من أصحاب المناصب أو عاملين في الشأن العام – إنزال الإجراءات الاحترازية وإثارة الموضوع ضد الخصم الذي يصبح عاجز تماماً سواء كان إعلامي أو مؤثر أو أي مستخدم للفضاء الإلكتروني , دون النظر إلى نتيجة الدعوى أو صحة الادعاء أو مطابقة الاتهام للجرم , الأهمية تأتي بالنسبة للمدعي في مباشرة التحقيقات .
فهنا نحن أمام أداة استدعاء " أمنية " مغلفة بغطاء قانوني دون الغوص في التفاصيل والنتيجة , مما يؤدي إلى إهدار كرامة المواطن وإجهاد سلطات إنفاذ القانون وإرهاق المؤسسة القضائية في سجالات شخصية ضيقة .
بالطبع ومن الواقع أن المستفيد من الثغرة ليسوا فقط أصحاب المناصب والعاملين في الشأن العام , فقد شهد القضاء السوري تسجيل دعاوى مثارة ضد إعلاميين ومؤسسات إعلامية من قبل خصوم طبيعيين أو اعتباريين , وكانت المطالب والضغوط نفسها , وهي تحويل الادعاء إلى فرع الجرائم المعلوماتية ومباشرة التحقيقات تحت الضغط والإجراءات الاحترازية .
لم يجرِ ولم يطالب المدعين يوماً رغم العديد من الدعاوى على وسائل الإعلام والإعلاميين بتحويل الادعاء إلى محاكم بداية الجزاء ومباشرة المحاكمة من خلالها وفق قانون الإعلام , وكذلك لم تقم قضاة النيابة العامة بفعل ذلك .
وسائل إعلام كانت ضحية:
من خلال مقابلات أجراها الباحث مع قضاة نيابة حيث تتم مباشرة التحقيقات والتفويضات إلى رجال نفاذ القانون (بعضهم عمل سابقاً نيابة جرائم معلوماتية أو تحقيق معلوماتية أي نفس الاختصاص المذكور , والبعض الآخر كان قضاة نيابة لكن باختصاصات أخرى أي من يقوم بتطبيق قانون العقوبات ) كانت السردية المتبناة من قبل غالبيتهم هي ضرورة ضبط الفضاء الالكتروني ومستخدميه من الإساءة للأشخاص , ولا ضير من تفويض فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية بذلك طالما أنا الأمر يقع تحت وصاية قضائية ووفق إجراءات أصول المحاكمات , وسط غياب واضح لقانون الإعلام ضمن تلك النقاشات , كما لاحظ الباحث عدم الاطلاع على قانون الإعلام أصلاً من قبل السواد الأعظم من القضاة المذكورين , وكأن القانون لم يكن أو حل محله قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية .
كما استطاع الباحث توثيق عشر حالات بشكل لا لبس فيها لوسائل إعلام وصحفيين تم تحويل تحقيقاتهم إلى فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية خلال الفترة الممتدة من عام 2016 حتى تاريخ كتابة البحث , المضحك في الأمر أن أحد الحالات كانت استدعاء الصحفي وسام النمر الكاتب في جريدة الأيام الأسبوعية إلى الجريمة المعلوماتية للتحقيق معه بسبب شكوى أرسلها القاضي الشرعي الأول , لكن الصحيفة المرخصة بموجب قانون الإعلام لم يكن لها موقع الكتروني أصلاً , وبالتالي لم يتم نشر المادة المشكو منها على أي شبكة الكترونية وإنما كانت منشورة ضمن صحيفة مطبوعة ورقياً , فهل يوجد لبس أكثر من ذلك فيما يخص تطبيق قانون الإعلام ؟!
وتابع الباحث توثيق حالات لصحفيين منتسبين إلى اتحاد الصحفيين وآخرين معتمدين من قبل وزارة الإعلام , وأحد الصحفيين عضو لدى اتحاد الصحفيين الدوليين ووسائل معتمدة من قبل وزارة الإعلام تم تحويل شكاوى تخصهم إلى فرع مكافحة الجريمة المعلوماتية , وتنوع الضرر الحاصل عليهم بين الاستدعاء والتحقيق ثم الترك , إلى التوقيف لمدة سنتين , وسط غياب كامل أو تطبيق قانون الإعلام .
الحلول والتوصيات:
أخذت السلطات السابقة على عاتقها السيطرة على الفضاء الإلكتروني سواء بالترغيب أو الترهيب , وتابعت السلطات الحالية نفس النهج ظناً أن السيطرة عليه يُصدر صورة جيدة لحكم البلاد ويُخاطب المجتمعات بأسلوب شعبي أشبه بالعفوي مما يعكس انطباع صادق عن المجتمع السوري , واعتمدت العديد من السلطات هذا الأسلوب للسبب الذي ذُكر بالإضافة إلى سهولة السيطرة وقلة الكلفة .
لكن الأمر أضعف مهنة الصحافة وأبعد الناس عنها سواء من الصحفيين أو المتابعين بسبب ارتفاع الكلفة وكذلك ضرورة التزام معايير مهنية دقيقة قبل النشر تبدأ من الحصول على المعلومة وتوثيقها ثم حماية المصدر والكاتب تحت أُُطر قانونية تكفل حقوق المتقاضين وتحميهم باتزان وعدالة .
الثابت في الأمر أن الأسلوب الأول " التريند " لا يمكن أن يبني مجتمعات راسخة وواعية تتمتع بمفاهيم التعايش والعدالة , وإنما يغلب عليها طابع المزاجية " والشهوة" .
أما الأسلوب الثاني - رغم فظاظته – أمام السلطة إلّا أنه يتمتع بدور بناء في توعية المجتمع والمساهمة في تماسكه وبناء نموذج تعايش قائم على العدالة والفرص .. وما أحوج البلاد إلى ذلك .
لذلك فإننا نوصي بما يلي :
- حصر وتحديد ممتهني الصحافة وفق قانون الإعلام النافذ .
- توعية قضاة النيابة إلى التحقق من إمكانية تطبيق قانون الإعلام قبل تفويض المباشرة بالتحقيقات , لا سيما أن الأمر في غاية البساطة والسهولة كون وسائل الإعلام تتمتع بالعلنية وهي معروفة للسادة القضاة ومُتابعة من قبلهم .
- حث السلطة التنفيذية بعدم الإملاء على السلطة القضائية أو فرع الجرائم المعلوماتية وإنما سلك طرق التقاضي المتبعة ( معروض إلى النيابة وادعاء شخصي ).
- منع سطوة السلطة على القضاء , حيث سجل حالات تفوق ذلك بكثير ( على سبيل المثال موافقات أمنية قبل المباشرة بنوع محدد من الدعاوى , أو موافقة المحامي العام قبل إحالة إنذار إلى شخصيات معية أو الادعاء عليها ) وهذا الأمر مرتبط بشكل حثيث بما ذكر , فاستقلال القضاء لا يكون جزئي .
- تكاتف وزارة الإعلام ووسائل الإعلام والصحفيين كفريق واحد من باب الزمالة وليس تبع ومتبوع في التجهيز لورش عمل تقوم بتوعية ممتهني الصحافة في حقوقهم وواجباتهم والخروج بتوصيات تطالب القضاء في تطبيق قانون الإعلام .
الهوامش
- المادة /2/ من قانون الاعلام السوري مرسوم تشريعي رقم 108 لعام 2011.
- المادة / 78 / من قانون الاعلام السوري مرسوم تشريعي رقم 108 لعام 2011.
- المادة /98/ من قانون الاعلام السوري مرسوم تشريعي رقم 108 لعام 2011.
- المادة /35/ من قانون التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 .
- قانون الجرائم المعلوماتية أداة إضافية لقمع حرية التعبير عن الرأي ص4
- المادة /103/ من قانون الاعلام السوري مرسوم تشريعي رقم 108 لعام 2011.
- مراجعة قانونية لقانون الجرائم المعلوماتية – تقييد الحق بالتعبير والحق بالحصول على المعلومات ص 20-21